الغزالي

210

إحياء علوم الدين

تعالى : * ( ومن يَعْصِ الله ورَسُولَه فَإِنَّ لَه نارَ جَهَنَّمَ ) * . وكل آية ذكر الله عز وجل العمل الصالح فيها مقرونا بالإيمان . وقوله تعالى : * ( ومن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُه جَهَنَّمُ خالِداً فِيها ) * وهذه العمومات أيضا مخصوصة ، بدليل قوله تعالى : * ( ويَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ) * فينبغي أن تبقى له مشيئة في مغفرة ما سوى الشرك . وكذلك قوله عليه السلام : « يخرج من النّار من كان في قلبه مثقال ذرّة من إيمان » وقوله تعالى : * ( إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ من أَحْسَنَ عَمَلًا ) * وقوله تعالى : * ( إِنَّ الله لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) * فكيف يضيع أجر أصل الايمان وجميع الطاعات بمعصية واحدة ؟ وقوله تعالى : * ( ومن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً ) * أَي لايمانه وقد ورد على مثل هذا السبب فإن قلت : فقد مال الاختيار إلى أن الايمان حاصل دون العمل ، وقد اشتهر عن السلف قولهم : الايمان عقد وقول وعمل فما معناه ؟ قلنا : لا يبعد أن يعد العمل من الايمان لأنه مكمل له ومتمم ، كما يقال الرأس واليدان من الإنسان ، ومعلوم أنه يخرج عن كونه إنسانا بعدم الرأس ، ولا يخرج عنه بكونه مقطوع اليد . وكذلك يقال التسبيحات والتكبيرات من الصلاة وإن كانت لا تبطل بفقدها . فالتصديق بالقلب من الايمان كالرأس من وجود الإنسان ، إذ ينعدم بعدمه . وبقية الطاعات كالأطراف بعضها أعلى من بعض . وقد قال صلَّى الله عليه وسلم : [ 1 ] « لا يزني الزّانى حين يزني وهو مؤمن » والصحابة رضي الله عنهم ما اعتقدوا مذهب المعتزلة في الخروج عن الايمان بالزنا ، ولكن معناه غير مؤمن حقا إيمانا تاما كاملا ، كما يقال للعاجز المقطوع الأطراف : هذا ليس بإنسان أي ليس له الكمال الذي هو وراء حقيقة الإنسانية مسألة فان قلت : فقد اتفق السلف على أن الايمان يزيد وينقص : يزيد بالطاعة ، وينقص بالمعصية ، فإذا كان التصديق هو الايمان فلا يتصور فيه زيادة ولا نقصان فأقول : السلف هم الشهود العدول وما لأحد عن قولهم عدول ، فما ذكروه حق ، وإنما